ابن قيم الجوزية
185
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فيصير خيرا مما كان قبل الذنب . وكان داود عليه السّلام بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة . قال : وهذا بحسب حال التائب بعد توبته ، وجدّه وعزمه . وحذره وتشميره فإن كان ذلك أعظم مما كان له قبل الذنب عاد خيرا مما كان وأعلى درجة . وإن كان مثله عاد إلى مثل حاله . وإن كان دونه لم يعد إلى درجته . وكان منحطّا عنها . وهذا الذي ذكره هو فصل النزاع في هذه المسألة . ويتبين هذا بمثلين مضروبين : أحدهما : رجل مسافر سائر على الطريق بطمأنينة وأمن . فهو يعدو مرة ويمشي أخرى ، ويستريح تارة وينام أخرى . فبينا هو كذلك إذ عرض له في سيره ظل ظليل ، وماء بارد ومقيل ، وروضة مزهرة . فدعته نفسه إلى النزول على تلك الأماكن ، فنزل عليها . فوثب عليه منها عدو ، فأخذه وقيده وكتّفه ومنعه عن السير . فعاين الهلاك . وظن أنه منقطع به ، وأنه رزق الوحوش والسباع . وأنه قد حيل بينه وبين مقصده الذي يؤمه . فبينا هو على ذلك تتقاذفه الظنون ، إذ وقف على رأسه والده الشفيق القادر . فحلّ كتافه وقيوده . وقال له : اركب الطريق واحذر هذا العدو . فإنه على منازل الطريق لك بالمرصاد . واعلم أنك ما دمت حاذرا منه ، متيقظا له لا يقدر عليك . فإذا غفلت وثب عليك . وأنا متقدمك إلى المنزل ، وفرط لك فاتبعني على الأثر . فإن كان هذا السائر كيّسا فطنا لبيبا ، حاضر الذهن والعقل ، استقبل سيره استقبالا آخر ، أقوى من الأول وأتم . واشتد حذره . وتأهب لهذا العدو . وأعد له عدته . فكان سيره الثاني أقوى من الأول ، وخيرا منه . ووصوله إلى المنزل أسرع . وإن غفل عن عدوه وعاد إلى مثل حاله الأول ، من غير زيادة ولا نقصان ولا قوة حذر ولا استعداد ، عاد كما كان . وهو معرّض لما عرض له أولا . وإن أورثه ذلك توانيا في سيره وفتورا ، وتذكرا لطيب مقيله ، وحسن ذلك الروض وعذوبة مائه ، وتفيؤ ظلاله ، وسكونا بقلبه إليه : لم يعد إلى مثل سيره ونقص عما كان . المثل الثاني : عبد في صحة وعافية جسم ، عرض له مرض أوجب له حمية وشرب دواء وتحفظا من التخليط . ونقص بذلك مادة ردية كانت منقصة لكمال قوته وصحته . فعاد بعد المرض أقوى مما كان قبله ، كما قيل : لعل عتبك محمود عواقبه * وربما صحت الأجسام بالعلل وإن أوجب له ذلك المرض ضعفا في القوة ، وتداركه بمثل ما نقص من قوته . عاد إلى مثل ما كان . وإن تداركه بدون ما نقص من قوته ، عاد إلى دون ما كان عليه من القوة . وفي هذين المثلين كفاية لمن تدبرهما . وقد ضرب لذلك مثل آخر برجل خرج من بيته يريد الصلاة في الصف الأول . لا يلوي على شيء في طريقه . فعرض له رجل من خلفه جبذ ثوبه وأوقفه قليلا . يريد تعويقه عن الصلاة . فله معه حالان : أحدهما : أن يشتغل به حتى تفوته الصلاة . فهذه حال غير التائب .